الصفحة الرئيسية السلوك الإيمان الإدمان وعلاجه  
جمع بين لمتشابه في فضائل الجنة

جمع المتشابه في تحصيل غرف الجنة

 

تحصيل الغرف في الجنة

بناء بيت في الجنة

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

{ألا أحدثكم بغرف الجنة

إن في الجنة غرفا من أصناف الجوهر كله يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها فيها من النعيم واللذات والشرف ما لا عين رأت ولا أذن سمعت } [1]

المساكن في الجنة منوعة فمنها الخيام ومنها القصور ومنها البيوت ومنها الغرف

وهذا التنوع يوجد في الدنيا ومع التفاوت في هذا التنوع نجد في عرف الناس أن أدنى هذه المنازل هي الغرف

أما في الجنة فالغرف هي أعلى المراتب أعلى المنازل فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم

{ إن أهل الجنة ليتراءون الغرفة في الجنة كما تراءون الكوكب في السماء }[2]

يعنى يرى التباعد بين أهل الغرف وسائر أصحاب الجنة كالتباعد المرئي بين الكوكب ومن في الأرض وأنهم يضيئون لأهل الجنة إضاءة الكوكب الدري لتفاضل ما بينهم

{ إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق والمغرب لتفاضل ما بينهم }[3]

مثل ما نحن نرى الكواكب نرفع رؤوسنا لنرى الكواكب والنجوم المتلألئة بالضوء هذا نجم أبعد من هذا النجم هذا النجم أكبر من هذا النجم تفاوت في أبعادها وأحجامها

هذا التفاوت للكواكب في الدنيا وتفاوت الغرف في الجنة أعظم بحسب تفاوت أصحابها في علو مكانتهم

وأهل الجنة مثل ما نحن في الدنيا نرفع رؤوسنا لنرى الكواكب هم أيضاً يرفعون رؤوسهم ليروا الغرف وتفاوتها بهذه المكانة العظيمة

شَبَّهَ النبي صلى الله عليه وسلم رُؤْيَة الرَّائِي فِي الْجَنَّة للْغُرْفَة بِرُؤْيَةِ الرَّائِي للْكَوْكَبَ الْمُضِيءَ فِي جَانِب الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب مَعَ تفاوت الْبُعْد والِاسْتِضَاءَة بحسب تفاضل الدرجات

وقد يبين لنا النبي صلى الله عليه وسلم مواصفات الغرف في الجنة بهذا التلفظ بما يفيد المعنى المتصور في النفس المعبر عنه باللفظ بقوله صلى الله عليه وسلم

{ إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها } ([4])

غرف جمع غُرْفَةٍ ، أَيْ عَلَالِيَّ فِي غاية من اللطافة ونهاية في الصفاء والنظافة

ترى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها

لكونها شفافة لا تحجب الرؤية

وهي غرف مِنْ أَصْنَاف الْجَوْهَر كُلّه لمرتبتها ومزيتها

يعنى يرى أهل الغرف كذلك لتزايد درجاتهم على من سواهم قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال { بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين } يعنى يبلغها رجال مؤمنين ولذا قرن القسم ببلوغ غير الأنبياء لهذه المنازل

هذه الغرف التي وصفت بهذا الوصف المبهر العظيم قد بين صلى الله عليه وسلم أنها منازل الأنبياء والمرسلين ويبلغها رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين

فما هي أعمال هؤلاء الرجال التي بلغوا بها تحصيل هذه الغرف ؟

كيف نصل إليها لنتحصل عليها ؟

ما هي الأعمال التي يستحق أصحابها هذه المكانة التي أعد الله لأصحاب هذه الغرف؟ ذات المواصفات الخاصة التي في وصفها من النعيم واللذات والشرف ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ؟

الأعمال التي تبلغ صاحبها تحصيل هذه الغرف

قيام الليل ، أطعام الناس , وإفشاء السلام , أدم الصيام , معاملة الناس بطيب الكلام

وكل عمل من هذه الأعمال صاحبه يتحصل به من فضل الله على هذه الغرف

فقد بين ذلك النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بقوله

{ إن في الجنة غرفة يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها أعدها الله لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وقام بالليل والناس نيام}[5]

قال صلى الله عليه وسلم :

{ إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها ويرى باطنها من ظاهرها لمن أطعم الطعام وأفشى السلام وأدام الصيام } [6]

فبين صلى الله عليه وسلم أصحاب الأعمال التي أعد الله لهم هذه الغرف فكيف يكون حظ ونصيب من يجمع بين هذه الأعمال لينال من هذه الغرف ؟

هذه الغرف تتحصل عليها بإطعامك الطعام وإطعام الطعام ليس قاصر فقط عل أنك تطعم المحتاج أو الفقير والمسكين ولكن إطعام الطعام عبادة أشمل من ذلك أن تصنع الطعام لأصدقائك لأقربائك لجيرانك

تصنع الطعام للعيال والفقراء والأضياف والإخوان ونحو ذلك لمجرد ابتغاء وجه الله تكون بعملك بهذا ممن يتحصلون على هذه الغرف لأن صاحب هذا العمل من خيار الناس

فدل على أن صاحب الجواد في الإطعام والبذل من عباد الرحمن الأخيار

قال عمر لصهيب فيك سرف في الطعام فقال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول خياركم من أطعم الطعام

علاوة على ما يجده عند الله على ما يقدمه من إطعام ولو كان الشيء البسيط قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

{ إن الله ليربي لأحدكم التمرة واللقمة كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى يكون مثل أحد }

{ إن العبد ليتصدق بالكسرة تربو عند الله عز وجل حتى تكون مثل أحد }

وكذلك من الأعمال التي ينال بها صاحبها هذه الغرف التي هيأها الله تعالى لأصحابها

لين الكلام للناس في الدنيا

أي تملق للناس واستعطفهم

لأن لين الكلام من صفات الصالحين الذين خضعوا لبارئهم وعاملوا الخلق بالرفق في الفعل والقول

فجزاء من تلطف في الكلام الغرفة

وكذلك من الأعمال التي ينال بها صاحبها هذه الغرف التي هيأها الله تعالى لأصحابها إفشاء السلام

وكذلك من الأعمال التي ينال بها صاحبها هذه الغرف التي هيأها الله تعالى لأصحابها إدامة الصيام

يحافظ على صيام غير شهر رمضان فتجده يصوم الاثنين والخميس أو ثلاثة أيام من كل شهر أو ست من شوال أو عرفة وعاشورا أو يجمع بين كل هذه الأنواع لما لها من فضائل أخرى عظيمة

وقام بالليل والناس نيام

وكذلك من الأعمال التي ينال بها صاحبها هذه الغرف التي هيأها الله تعالى لأصحابها الصلاة بالليل التي هي شرفه كما بين ذلك صلى الله عليه وسلم بقوله

{ شرف المؤمن قيامه بالليل } لأنها عبادة في غاية من الإخلاص وغالباً ما يطلع عليه إلا الله العليم به وبحاله في وقت الناس غالبهم نيام أو غافلون أو جالسون للفضائيات سلموا أنفسهم لمن يفسد بعقولهم ومن يفسد بأخلاقهم ومن يفسد بعقيدتهم

أو جلسوا لغرف المحادثات أو أدمنوا على علو المواقع الاجتماعية التي تأخذ جل وقتهم

نوع أخر من غرف النعيم التي نسعى لتحصيلها الغرف العالية الجليلة التي تتميز بجري الأنهار تحتها هيأها الله تعالى في الجنة وخصها بالمدح لمن أمن وعمل صالحاً

يقول تعالى { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ } العنكبوت

وعد المؤمنين العاملين لأجل إيمانهم وعملهم الصالح بسكنى غرف الجنة تحريضاً منه تعالى ، وذكر الجزاء الذي ينالونه فيجازي من أحسن عبادته وجمع بين الإيمان والعمل الصالح بإنزاله الغرف العالية الفخمة الأنيقة الجامعة لما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين

هذه الغرف من صفاتها أنها تجري من تحتها الأنهار، على اختلاف أصنافها، من ماء وخمر، وعسل ولبن، يصرفونها ويجرونها حيث شاءوا

لحصول اللذة برؤيتها زيادة في إكرام أصحابها ، لان النظر من الغرف إلى الأنهار والحضر أشهى وألذ ماكثين فيها أبدا لا يبغون عنها حولا

فـنعم تلك المنازل في جنات النعيم ([7]) أجر هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات

نوع أخر من غرف النعيم التي نسعى لتحصيلها الغرف العالية الجليلة التي يتميز فيها أصحابها بحسن المقر والمقام وتلقي التحية والسلام إنها لعباد الرحمن الذين يأتون بهذه الخصال

التواضع ، والحلم ، والتهجد ، والخوف ، وترك الإسراف ، وترك الإقتار ، والتنزه عن الشرك ، وترك الزنا ، وترك قتل النفس ، والتوبةُ ، وترك الكذب ، والعفوُ عن المسيء ، وقبولُ دعوة الحق ، وإظهار الاحتياج إلى الله بالدعاء

لصبرُهم على كبح شهواتهم لأجل إقامة شرائع الإسلام ، وصبرهم على مشقة الطاعات

{ وَعِبَادُ الرَّحْمَانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا(63)وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا(64)وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا(65)إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا(66)وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا(67)وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا(68)يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا(69)إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا(70)وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا(71)وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا(72)وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا(73) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا(74)أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا(75)خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا(76) } الفرقان

أولئك المتقون المتصفون بالصفات السابقة لما كانت هممهم ومطالبهم عالية كان الجزاء من جنس العمل فجازاهم بالمنازل العاليات الغرف الرفيعة الأنيقة الجامعة لكل ما يشتهى وتلذه الأعين وذلك بسبب صبرهم نالوا ما نالوا ، يجازيهم الله تعالى بأعلى المنازل والدرجات في الجنة بغرف عظيمة بسبب صبرهم على طاعته ، وبعدهم عن معصيته

يستقبلون في تلك الغرف الرفيعة المنزلة بالتحية والسلام من ربهم عز وجل ومن ملائكته الكرام ، ومن بعضهم لبعض ويسلمون من جميع المنغصات والمكدرات خالدين في هذه الغرف خلودا في السعادة الأبدية

حَسُنَتْ تلك الغرف والمنزلة مُسْتَقَرّاً يستقرون فيها وَمُقَاماً يقيمون فيها وهذا فيه دلالة على أنهم متميزون

بصبرهم على المشاق من مضض الطاعات ورفض الشهوات وتحمل المجاهدات

والمستحقين لهذا التكريم الله وصفهم بالوقار والسكينة والتواضع له ولعباده وحسن الأدب والحلم وسعة الخلق والعفو عن الجاهلين والإعراض عنهم ومقابلة إساءتهم بالإحسان وقيام الليل والإخلاص فيه، والخوف من النار والتضرع لربهم أن ينجيهم منها وإخراج الواجب والمستحب في النفقات والاقتصاد في ذلك والسلامة من كبائر الذنوب والاتصاف بالإخلاص لله في عبادته والعفة عن الدماء والأعراض والتوبة عند صدور شيء من ذلك، وأنهم لا يحضرون مجالس المنكر والفسوق القولية والفعلية ولا يفعلونها بأنفسهم وأنهم يتنزهون من اللغو والأفعال الردية التي لا خير فيها، وذلك يستلزم مروءتهم وإنسانيتهم وكمالهم ورفعة أنفسهم عن كل خسيس قولي وفعلي، وأنهم يقابلون آيات الله بالقبول لها والتفهم لمعانيها والعمل بها، والاجتهاد في تنفيذ أحكامها، وأنهم يدعون الله تعالى بأكمل الدعاء، الذي ينتفعون به، وينتفع به من يتعلق بهم وينتفع به المسلمون من صلاح أزواجهم وذريتهم، ومن لوازم ذلك سعيهم في تعليمهم ووعظهم ونصحهم لأن من حرص على شيء ودعا الله فيه لا بد أن يكون متسببا فيه، وأنهم دعوا الله ببلوغ أعلى الدرجات الممكنة لهم وهي درجة الإمامة والصديقية.

فلله ما أعلى هذه الصفات وأرفع هذه الهمم وأجل هذه المطالب، وأزكى تلك النفوس وأطهر تلك القلوب وأصفى هؤلاء الصفوة وأتقى هؤلاء السادة"

ولله، فضل الله عليهم ونعمته ورحمته التي جللتهم، ولطفه الذي أوصلهم إلى هذه المنازل.

ولله، منة الله على عباده أن بين لهم أوصافهم، ونعت لهم هيئاتهم وبين لهم هممهم، وأوضح لهم أجورهم، ليشتاقوا إلى الاتصاف بأوصافهم، ويبذلوا جهدهم في ذلك، ويسألوا الذي من عليهم وأكرمهم الذي فضله في كل زمان ومكان، وفي كل وقت وأوان، أن يهديهم كما هداهم ويتولاهم بتربيته الخاصة كما تولاهم

نوع أخر من غرف النعيم التي نسعى لتحصيلها في الجنة الغرف العالية المزخرفة، من حسنها وبهائها وصفائها التي تتميز بجري الأنهار تحتها من كمال حسن منظرها للمُطلّ منها وبأنها غرف بعضها فوق بعض مبنية في الهواء لا عماد لها من تحتها لا يأتيها أهلها إلا شبه الطير هيأها الله تعالى لأصحاب التقوى

{الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ(20)} الزمر

أخبر تعالى عن عباده السعداء أنهم لهم غرف في الجنة

هذه الآية الكريمة قد بشرت المتقين بأحسن البشارات وأكرمها ببيان حسن عاقبتهم

أي هذا حال الذين اتقوا ربهم ، فإن الله تعالى قد أعد لهم على سبيل التكريم والتشريف غرفا من فوقها غرف أخرى مبنية علالي بعضها فوق بعض محكمات مزخرفات عاليات

ووصفت بذلك إِشارة إلى أنها معدة ومهيأة لنزولهم فيها ، قبل أن يقدموا عليها ، زيادة في تكريمهم وحسن لقائهم .

وهذه الغرف تجري من تحتها الأنهار المتدفقة، المسقية للبساتين الزاهرة والأشجار الطاهرة، فتنتج أنواع الثمار اللذيذة، والفاكهة النضيجة ليكون ذلك أدعى إلى زيادة سرورهم بمياه الجنة المنحدرة من بطن العرش فوقهم فيجري الماء تحت هذه الغرف المبنية في علالي الهواء

وهذا هو الفوز كل الفوز، للمتقين الذين أعد لهم من الكرامة وأنواع النعيم، ما لا يقدر قدره

يبين لنا النبي صلى الله عليه وسلم صنف أخر من تنوع الغرف في الجنة متميزة

أعدها الله لمن يتميزوا بعلاقات اجتماعية تبنى لله

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

{إن المتحابون في الله لترى غرفهم في الجنة كالكوكب الطالع الشرقي أو الغربي فيقال من هؤلاء ؟ فيقال هؤلاء المتحابون في الله عز وجل }[8]

وقال صلى الله عليه وسلم

{إن في الجنة لعمداً من ياقوت عليها غرف من زبرجد لها أبواب مفتحة تضيء كما يضيء الكوكب الدري قالوا يا رسول الله من يسكنها ؟ قال المتحابون في الله والمتجالسون في الله والمتلاقون في الله }[9]

غرف على سرايا من الأحجار الكريمة أي على أعمدة من الياقوت والغرف من المجوهرات الثمينة من الزبرجد وهو الزُّمرُّد الذي من نفاسته يوضع فصوص منه لتزين ذهب الحلي والخواتيم

أبوابها مفتحة تضيء لأهل الجنة كما تضيء الكواكب في السماء

تشبه نجوم طالعات في السماء مفترقات مؤتلفات في أديمها، وقد مازجت زُرقةُ لونها بياضَ نورها

هذه الغرف المميزة في الجنة نتحصل عليها ببناء علاقتنا بالآخرين ابتغاء وجه الله سواء في محبتنا أو جلاساتنا أو لقائتنا

وبهذا نستطيع أن نجمع من الأعمال ما يبلغنا التحصيل الأكثر لهذا التنوع في الغرف الرفيعة المنزلة

فلا نكتفي بالسعي لتحصيل الغرف من أطعام الطعام ولين الكلام وإفشاء السلام وإدامة الصيام والصلاة بالليل والناس نيام ولكن نجمع معها علاقاتنا الاجتماعية وخاصة المحبة والجلسة واللقاء الخالصة لوجه الله لنحصل بها الغرف المميزة

فعندما تكون المحبة بيننا وبين الآخرين محبة في الله ننال بها هذه الغرف

ومعنى حب المرء لأخيه في الله أي الحب في طاعة الله وابتغاء مرضاته أي في دائرة طاعته مثل أن يحب فيه طاعته لله يحب فيه شدة إقباله على الله يحب فيه خوفه من المعاصي يحب فيه أخلاقه الطيبة لله يحب فيه سماحة نفسه الطيبة يحب فيه حفظه لكتاب الله يحب فيه طلبه للعلم الشرعي محبة لله يحب فيه استغلاله لمكانته ووجاهته في الدعوة إلى الله يحب فيه كثرة معاونته للآخرين يحب فيه حرصه على الصلاة يحب فيه كثرة صيامه يحبه لأنه يذكره بالله كل هذه المحبات في الله لأنها كلها لوجه الله وسببها طاعة الله فهذه المحبة ينال أصحابها هذه الغرف المميزة في الجنة , وليست محبة لأموال يتعاطونها ومصالح دنيوية بينهما فإن أصحاب هذه ليس لهم فيها نصيب , وليست محبة في معصية كمن يحب شخص لجمال خلقته كمحبة لأمرد محبة في فحش فهذا وقوع في إثم عظيم فهذا من الانحطاط وتعلق القلب بالشياطين ووساوسها ويؤدي إلى سخط الله ورضا الشياطين ويدل على سلوك منعطف للشر واستحسانه

وهذه المحبة المبنية على مصالح دنيوية فقط وبال على أصاحبها يوم القيامة

أما المرء الذي يبني علاقته بالآخرين محبة في الله وابتغاء مرضاة الله ينال فضائل عظيمة في الدنيا والآخرة

ينال محبة الله له فالله تعالى في الحديث القدسي يقول

{حقت محبتي على المتحابين في } [10]

ومن أحبه الله أحبه جبريل و{ يحبه أهل السماء ، ثم يوضع له القبول في الأرض }[11]

فيجد ميل قلوب الناس إليه لكونه مطيعا لله محبا له نال محبة الله له, ومحبة العباد له اعتقادهم فيه الخير وإرادتهم دفع الشر عنه ما أمكن

فما أقبل عبد بقلبه إلى الله في علاقاته بالآخرين إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم

ويشعره الله بطعم الإيمان قال صلى الله عليه وسلم

{من سره أن يجد طعم الإيمان فليحب المرء لا يحبه إلا لله عز وجل }[12]

ويكرمه الله قال صلى الله عليه وسلم

{ ما أحب عبد عبداً لله إلا أكرمه الله عز وجل}[13]

يكون مع من أحبهم وإن لم يعمل أعمالهم

عن أنس قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

{ يا رسول الله متى الساعة ؟ قال: وما أعددت للساعة ؟. قال: حب الله ورسوله ، قال: فإنك مع من أحببت. قال أنس: فما فرحنا بعد الإسلام ، فرحاً أشد من قول النبي صلى الله عليه وسلم : فإنك مع من أحببت قال أنس : فأنا أحب الله ورسوله ، وأبا بكر وعمر ، فأرجو أن أكون معهم ، وإن لم أعمل بأعمالهم}[14]

قال صلى الله عليه وسلم {المرء مع من أحب}{ والمرء يحشر مع من أحب}

وكذلك الذي يبنى جلساته مع الآخرين على طاعة الله ينال بهذه الجلسات الغرف المميزة في الجنة بخروج الأنوار المضيئة من زورقة الزبرجد المعلق على أعمدة تتلألأ من أشعة ياقوتها المختلف الألوان أحمر وأبيض وأصفر

قال صلى الله عليه وسلم

{إن في الجنة لعمداً من ياقوت عليها غرف من زبرجد لها أبواب مفتحة تضيء كما يضيء الكوكب الدري قالوا يا رسول الله من يسكنها ؟ قال المتحابون في الله والمتجالسون في الله والمتلاقون في الله }[15]

علاوة على ما يناله من فضائل أخرى كمحبة الله له

يقول صلى الله عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالى

{ وحقت محبتي للمتجالسين في } ([16])

والجلسات في الله التي تكون بين الإخوان أهل الطاعة والصلاح والتي يُحصل بها أصحابها الغرف العالية تزيد في الدنيا بين جلسائها البر والتقوى لأنها خالية من السوء فالجليس الصالح ينفع ويفيد جليسه لأن جلسته خالية من الإثم والعدوان

فجلساتهم طيبة مغمورة وعامرة بذكر الله في انتهائها يقال لهم قوموا مغفوراً لكم ولو لم يأتوا بكفارة المجلس

فهم بعيدين عن المجالس التي تكون وبال على أصحابها في الدنيا والآخرة قال صلى الله عليه وسلم

{ إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير

فحامل المسك إما أن يحذيك (يعطيك) وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا خبيثة }[17]

شبه النبي صلى الله عليه وسلم صاحب الجلسة التي ترضي الله بحامل الخير لما في جلسته من نشر وتوجيه للخير والطاعة

وهذا من الشريعة ترغيب في اجتناب مجالسة أهل الشر والفساد لسوء حالهم قال صلى الله عليه وسلم

{ الوحدة خير من جليس السوء والجليس الصالح خير من الوحدة } [18]

وممن يحصل هذه الغرف المميزة في الجنة من يجعل لقاءاته بالآخرين في طاعة الله

{إن في الجنة لعمداً من ياقوت عليها غرف من زبرجد لها أبواب مفتحة تضيء كما يضيء الكوكب الدري قالوا يا رسول الله من يسكنها ؟ قال المتحابون في الله والمتجالسون في الله والمتلاقون في الله }[19]

فعندما يلتقي الإنسان بأخيه على طاعة الله للذهاب إلى لقاء ديني فيه أهل الصلاح أو محاضرة أو درس يستفاد منه أو يلتقي بغيره لذهاب إلى الصلاة أو لرحلة إيمانية كالحج أو عمرة أو يلتقي داعية بإخوانه ليلقي عليهم كلمة وعظ يفيدهم بها أو لقاء بشيخ أو عالم سواء في محفل أو مجمع حتى ولو كان هذا مباشر على الهواء ويتلقاه مشاهدين أو مستمعين وكذا المشاهد أو المستمع الذي قصد الاستفادة أو قصد أن يكثر سواد أهل العلم

وكل اللقاءات التي تحدث في البرامج الهادفة للنفع الديني أو الدنيوي للمشاهدين والمستمعين بالفضائيات أو عبر الأثير أو اللقاءات المكتوبة من خلال المنتديات الخيرة بالشخصيات أو بحواراتهم الخالية من الخلل العقائدي أو الأخلاقي أو تسفيه جماعات أو مجتمعات فهو يدخل في معنى اللقاءات التي يتميز أصحابها بالمكانة الرفيعة عندما تكون لوجه الله وابتغاء مرضاته

فهذه هي اللقاءات المثمرة بهذه الغرفات المميزة في الجنات

وهذه العلاقات الاجتماعية التي أصحابها متعاونون على أمر الله ثمراتها استحقاق السكنى بهذه المساكن

وبين لنا ربنا نعيم يشمل أصحاب أجمل منظراً وأشمل مرأى أصحاب غرفات الجنة ومنازلها العالية عموماً وهو الآمن بدوام النعيم وتأبيده

يقول تعالى { وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آَمِنُونَ (37) }

وهم في المنازل العاليات المرتفعات جدا، ساكنين فيها مطمئنين، آمنون من المكدرات والمنغصات، لما هم فيه من اللذات، وأنواع المشتهيات، وآمنون من الخروج منها والحزن فيها وآمنون من الآفات كالموت والهرم والمرض والعدو آمنون من كل بأس وخوف وأذى، ومن كل شر يُحْذَر منه وغير ذلك بإلقاء الأمن في نفوسهم من انقطاع ذلك النعيم ثم يكون النعيم الذي ما بعده نعيم ما يجده أهل الغرف يوم المزيد

{ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاني جبريل عليه السلام وقال يوم الجمعة هو عندنا سيد الأيام ونحن ندعوه يوم القيامة يوم المزيد قلت مم ذاك قال لان ربك تبارك وتعالى اتخذ في الجنة واديا من مسك أبيض فإذا كان يوم الجمعة هبط من عليين على كرسيه تبارك وتعالى ثم حف الكرسي بمنابر من ذهب مكللة بالجواهر ثم يجئ النبيون حتى يجلسوا عليها وينزل أهل الغرف حتى يجلسوا على ذلك الكثيب ثم يتجلى لهم ربك تبارك وتعالى ثم يقول سلوني أعطكم قال فيسألونه الرضى فيقول رضائي أحلكم داري وأنيلكم كراسي فسلوني أعطكم قال فيسألونه قال فيشهدهم أنه قد رضي عنهم قال فيفتح لهم ما لم تر عين ولم تسمع أذن ولا يخطر على قلب بشر }{ إلى مقدار منصرف الناس يوم الجمعة ثم يصعد الرب تبارك وتعالى على كرسيه فيصعد معه الشهداء والصديقون } { ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم درة بيضاء لا فصم فيها ولا وصم أو ياقوتة حمراء أو زبرجدة خضراء منها غرفها وأبوابها مطردة فيها أنهارها متدلية فيها ثمارها فيها أزواجها وخدمها فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى يوم الجمعة ليزدادوا فيه كرامة وليزدادوا فيه نظرا إلى وجهه تبارك وتعالى ولذلك دعي يوم المزيد } [20]


[1] البيهقي في البعث والنشور 279 , صححه الألباني لغيره في صحيح الترغيب 3708

[2] مسلم 17/167

[3] البخاري 3256 , مسلم 2831

[4] صحيح مشكاة المصابيح 1/ 273

[5] الحاكم 1/80 , صححه الألباني في صحيح الترغيب 2692

[6] المسند 2/ 173 , صحح إسناده أحمد شاكر 6615 , ابن حبان 509 , صححه الألباني في صحيح الترغيب 3717

[7] تفسير السعدي ص 634

[8] المسند 3/87 المجمع 10 423 رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح

[9] البزار 3592 شعب الإيمان 6/487 , ضعفه الألباني في الترغيب 1882 , حسنه محققوا الترغيب4449

[10] زوائد السند 5/328 , ابن حبان 577 , صححه الألباني في الترغيب 3019

[11] البخاري 6640 , مسلم 16 / 400

يرجع لرسالة علاج السلوك ففيها إيضاح اكتفينا به هناك

[12] المسند 2/298 الحاكم 4/168 وصححه ووفقه الذهبي , حسنه الألباني في الصحيحة 2300

[13] المسند 5/259 , حسنه الألباني في الصحيحة 1256

[14] البخاري 3688 , مسلم 16/402

[15] البزار 3592 شعب الإيمان 6/487 , ضعفه الألباني في الترغيب 1882 , حسنه محققوا الترغيب4449

[16] مالك 2 / 953 , صححه الألباني في الشكاة 5011

[17] البخاري 2101

[18] حسنه ابن حجر في الفتح 339/ 11وضعفه الألباني في الترغيب 14307

[19] البزار 3592 شعب الإيمان 6/487 , ضعفه الألباني في الترغيب 1882 , حسنه محققوا الترغيب4449

[20] صحيح الترغيب والترهيب 3761 حسن لغيره